الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
15
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يبين القرآن الكريم في هذا الصدد أولا . . . أنه لما جاءت رسلنا لوطا طار هلعا وضاق بهم ذرعا وأحاط به الهم من كل جانب ولما جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعا . وقد ورد في الروايات الإسلامية أن لوطا كان في مزرعته حيث فوجئ بعدد من الشباب الوسيمين الصباح الوجوه قادمون نحوه وراغبون في النزول عنده ولرغبته باستضافتهم من جهة ، ولعلمه بالواقع المرير الذي سيشهده في مدينته الملوثة بالانحراف الجنسي من جهة أخرى ، كل ذلك أوجب له الهم . . . ومرت هذه المسائل على شكل أفكار وصور مرهقة في فكره ، وتحدث مع نفسه وقال هذا يوم عصيب . لاحتمال الفضيحة والتورط في مشاكل عويصة كلمة ( سيئ ) مشتقة من ساء ، ومعناها عدم الارتياح وسوء الحال ، و " الذرع " تعني " القلب " على قول ، وقال آخرون : معناها " الخلق " فعلى هذا يكون معنى ضاق بهم ذرعا أن قلبه أصيب بتأثر شديد لهؤلاء الأضياف غير المدعوين في مثل هذه الظروف الصعبة . ولكن بحسب ما ينقله " الفخر الرازي " في تفسيره عن " الأزهري " أن الذرع في هذه الموارد يعنى " الطاقة " وفي الأصل معناه الفاصلة بين أذرع البعير أثناء سيره . وطبيعي حين يحمل البعير أكثر من طاقته فإنه يضطر إلى تقريب خطواته وتقليل الفاصلة بين خطواته ، وبهذه المناسبة وبالتدريج استعمل هذا المعنى في عدم الارتياح والاستثقال من الحوادث . ويستفاد من بعض كتب اللغة ككتاب ( القاموس " أن هذا التعبير إنما يستعمل في شدة الحادثة بحيث يجد الإنسان جميع الطرق بوجهه موصدة . وكلمة " عصيب " مشتقة من " العصب " على زنة " الكلب " ومعناه ربط الشئ بالآخر وشده شدا محكما ، وحيث أن الحوادث الصعبة تشد الإنسان